فصل: تفسير الآيات (21- 22):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآية رقم (19):

{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)}
قوله تعالى: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ} شرطه وجوابه. وفية ثلاثة أقوال: يكون خطابا للكفار، لأنهم استفتحوا فقالوا: اللهم أقطعنا للرحم وأظلمنا لصاحبه فانصره عليه، قاله الحسن ومجاهد وغيرهما. وكان هذا القول منهم وقت خروجهم لنصره العير.
وقيل: قاله أبو جهل وقت القتال.
وقال النضر بن الحارث: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. وهو ممن قتل ببدر. والاستفتاح: طلب النصر، أي قد جاءكم الفتح ولكنه كان للمسلمين عليكم. أي فقد جاءكم ما بان به الأمر، وانكشف لكم الحق. {وَإِنْ تَنْتَهُوا} أي عن الكفر {فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}. {وَإِنْ تَعُودُوا} أي إلى هذا القول وقتال محمد. {نَعُدْ} إلى نصر المؤمنين. {وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ} أي {عن} جماعتكم {شَيْئاً}. {وَلَوْ كَثُرَتْ} أي في العدد.
الثاني- يكون خطابا للمؤمنين، أي إن تستنصروا فقد جاءكم النصر. وإن {تَنْتَهُوا} أي عن مثل ما فعلتموه من أخذ الغنائم والأسرى قبل الإذن، {فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}. و{وَإِنْ تَعُودُوا} أي إلى مثل ذلك نعد إلى توبيخكم. كما قال: {لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} الآية.
والقول الثالث- أن يكون {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ} خطابا للمؤمنين، وما بعده للكفار. أي وإن تعودوا إلى القتال نعد إلى مثل وقعة بدر. القشيري: والصحيح أنه خطاب للكفار، فإنهم لما نفروا إلى نصر العير تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أهدى الطائفتين، وأفضل الدينين. المهدوي: وروي أن المشركين خرجوا معهم بأستار الكعبة يستفتحون بها، أي يستنصرون قلت: ولا تعارض لاحتمال أن يكونوا فعلوا الحالتين. {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} بكسر الألف على الاستئناف، وبفتحها عطف على قوله: {وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ}. أو على قوله: {أَنِّي مَعَكُمْ}. والمعنى: ولأن الله، والتقدير لكثرتها وأن الله. أي من كان الله في نصره لم تغلبه فئة وإن كثرت.

.تفسير الآية رقم (20):

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20)}
قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} 20 الخطاب للمؤمنين المصدقين. أفردهم بالخطاب دون المنافقين إجلالا لهم. جدد الله عليهم الأمر بطاعة الله والرسول ونهاهم عن التولي عنه. هذا قول الجمهور. وقالت فرقة: الخطاب بهذه الآية إنما هو للمنافقين. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم فقط. قال ابن عطية: وهذا وإنما كان محتملا على بعد فهو ضعيف جدا، لأن الله تعالى وصف من خاطب في هذه الآية بالإيمان. والإيمان التصديق، والمنافقون لا يتصفون من التصديق بشيء. وأبعد من هذا من قال: إن الخطاب لبني إسرائيل، فإنه أجنبي من الآية. {وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ} 20 التولي الإعراض. وقال: {عَنْهُ} ولم يقل عنهما لأن طاعة الرسول طاعته، وهو كقوله تعالى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ}.
{وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} 20 ابتداء وخبر في موضع الحال. والمعنى: وأنتم تسمعون ما يتلى عليكم من الحجج والبراهين في القرآن.

.تفسير الآيات (21- 22):

{وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22)}
قوله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا} أي كاليهود أو المنافقين أو المشركين. وهو من سماع الأذن. {وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ} أي لا يتدبرون ما سمعوا، ولا يفكرون فيه، فهم بمنزلة من لم يسمع وأعرض عن الحق. نهى المؤمنين أن يكونوا مثلهم. فدلت الآية على أن قول المؤمن: سمعت وأطعت، لا فائدة فيه ما لم يظهر أثر ذلك عليه بامتثال فعله. فإذا قصر في الأوامر فلم يأتها، واعتمد النواهي فاقتحمها فأي سمع عنده وأى طاعة! وإنما يكون حينئذ بمنزلة المنافقين الذي يظهر الإيمان، ويسر الكفر، وذلك هو المراد بقوله: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ}. يعني بذلك المنافقين، أو اليهود أو المشركين، على مما تقدم. ثم أخبر تعالى أن الكفار شر ما دب على الأرض.
وفي البخاري عن ابن عباس {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} قال: هم نفر من بني عبد الدار. والأصل أشر، حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال. وكذا خير، الأصل أخير.

.تفسير الآية رقم (23):

{وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)}
قوله تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ} قيل: الحجج والبراهين، إسماع تفهم. ولكن سبق علمه بشقاوتهم {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} أي لو أفهمهم لما آمنوا بعد علمه الأزلي بكفرهم.
وقيل: المعنى لأسمعهم كلام الموتى الذين طلبوا إحياءهم، لأنهم طلبوا إحياء قصي بن كلاب وغيره ليشهدوا بنبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. الزجاج: لأسمعهم جواب كل ما سألوا عنه. {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} إذ سبق في علمه أنهم لا يؤمنون.

.تفسير الآية رقم (24):

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)}
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} هذا الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا خلاف. والاستجابة: الإجابة. و{يحييكم} أصله يحييكم، حذفت الضمة من الياء لثقلها. ولا يجوز الإدغام. قال أبو عبيدة: معنى {اسْتَجِيبُوا} أجيبوا، ولكن عرف الكلام أن يتعدى استجاب بلام، ويتعدى أجاب دون لام. قال الله تعالى: {يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ}. وقد يتعدى استجاب بغير لام، والشاهد له قول الشاعر:
وداع دعا يا من يجيب إلى الندى ** فلم يستجبه عند ذاك مجيب

تقول: أجابه وأجاب عن سؤاله. والمصدر الإجابة. والاسم الجابة، بمنزلة الطاقة والطاعة. تقول: أساء سمعا فأساء جابة. هكذا يتكلم بهذا الحرف. والمجاوبة والتجاوب: التحاور. وتقول: إنه لحسن الجيبة بالكسر أي الجواب. {لِما يُحْيِيكُمْ} متعلق بقوله: {اسْتَجِيبُوا}. المعنى: استجيبوا لما يحييكم إذا دعاكم.
وقيل: اللام بمعنى إلى، أي إلى ما يحييكم، أي يحيي دينكم ويعلمكم.
وقيل: أي إلى ما يحيي به قلوبكم فتوحدوه، وهذا إحياء مستعار، لأنه من موت الكفر والجهل.
وقال مجاهد والجمهور: المعنى استجيبوا للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواهي، ففيه الحياة الأبدية، والنعمة السرمدية، وقيل: المراد بقوله: {لِما يُحْيِيكُمْ} الجهاد، فإنه سبب الحياة في الظاهر، لأن العدو إذا لم يغز غزا، وفي غزوه الموت، والموت في الجهاد الحياة الأبدية، قال الله عز وجل: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ} والصحيح العموم كما قال الجمهور.
الثانية: روى البخاري عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم أجبه، ثم أتيته فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلي. فقال: «ألم يقل الله عز وجل: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ}...» وذكر الحديث. وقد تقدم في الفاتحة.
وقال الشافعي رحمه الله: هذا دليل على أن الفعل الفرض أو القول الفرض إذا أتي به في الصلاة لا تبطل، لأمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالإجابة وإن كان في الصلاة. قلت: وفية حجة لقول الأوزاعي: لو أن رجلا يصلي فأبصر غلاما يريد أن يسقط في، بئر فصاح به وانصرف إليه وانتهره لم يكن بذلك بأس. والله أعلم.
الثالثة: قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} قيل: إنه يقتضي النص منه على خلقه تعالى الكفر والإيمان فيحول بين المرء الكافر وبين الإيمان الذي أمره به، فلا يكتسبه إذا لم يقدره عليه بل أقدره على ضده وهو الكفر. وهكذا المؤمن يحول بينه وبين الكفر. فبان بهذا النص أنه تعالى خالق لجميع اكتساب العباد خيرها وشرها. وهذا معنى قوله عليه السلام: «لا، ومقلب القلوب». وكان فعل الله تعالى ذلك عدلا فيمن أضله وخذله، إذ لم يمنعهم حقا وجب عليه فتزول صفة العدل، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم لا ما وجب لهم. قال السدي: يحول بين المرء وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن إلا بإذنه، ولا يكفر أيضا إلا بإذنه، أي بمشيئته. والقلب موضع الفكر. وقد تقدم في البقرة بيانه. وهو بيد الله، متى شاء حال بين العبد وبينه بمرض أو آفة كيلا يعقل. أي بادروا إلى الاستجابة قبل ألا تتمكنوا منها بزوال العقل.
وقال مجاهد: المعنى يحول بين المرء وعقله حتى لا يدري ما يصنع.
وفي التنزيل: {إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ} أي عقل.
وقيل: يحول بينه وبينه بالموت، فلا يمكنه استدراك ما فات.
وقيل: خاف المسلمون يوم بدر كثرة العدو فأعلمهم الله أنه يحول بين المرء وقلبه بأن يبدلهم بعد الخوف أمنا، ويبدل عدوهم من الأمن خوفا.
وقيل: المعنى يقلب الأمور من حال إلى حال، وهذا جامع. واختيار الطبري أن يكون ذلك إخبارا من الله عز وجل بأنه أملك لقلوب العباد منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يدرك الإنسان شيئا إلا بمشيئة الله عز وجل. {وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} عطف. قال الفراء: ولو استأنفت فكسرت، {وَأَنَّهُ 130} كان صوابا.

.تفسير الآية رقم (25):

{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (25)}
فيه مسألتان: الأولى: قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب. وكذلك تأول فيها الزبير بن العوام فإنه قال يوم الجمل، وكان سنة ست وثلاثين: ما علمت أنا أردنا بهذه الآية إلا اليوم، وما كنت أظنها إلا فيمن خوطب ذلك الوقت. وكذلك تأول الحسن البصري والسدي وغيرهما. قال السدي: نزلت الآية في أهل بدر خاصة، فأصابتهم الفتنة يوم الجمل فاقتتلوا.
وقال ابن عباس رضي الله عنه: نزلت هذه الآية في أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وقال: أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر فيما بينهم فيعمهم الله بالعذاب. وعن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يكون بين ناس من أصحابي فتنة يغفرها الله لهم بصحبتهم إياي يستن بهم فيها ناس بعدهم يدخلهم الله بها النار». قلت: وهذه التأويلات هي التي تعضدها الأحاديث الصحيحة، ففي صحيح مسلم عن زينب بنت جحش أنها سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت له: يا رسول الله، انهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث».
وفي صحيح الترمذي: «إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده» وقد تقدمت هذه الأحاديث.
وفي صحيح البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نوذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا». ففي هذا الحديث تعذيب العامة بذنوب الخاصة. وفية استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال علماؤنا: فالفتنة إذا عملت هلك الكل. وذلك عند ظهور المعاصي وانتشار المنكر وعدم التغيير، وإذا لم تغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها. وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا من الأمم، كما في قصة السبت حين هجروا العاصين وقالوا لا نساكنكم. وبهذا قال السلف رضي الله عنهم. روى ابن وهب عن مالك أنه قال: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارا ولا يستقر فيها. واحتج بصنيع أبي الدرداء في خروجه عن أرض معاوية حين أعلن بالربا، فأجاز بيع سقاية الذهب بأكثر من وزنها. خرجه الصحيح.
وروى البخاري عن ابن عمر قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم». فهذا يدل على أن الهلاك العام منه ما يكون طهرة للمؤمنين ومنه ما يكون نقمة للفاسقين.
وروى مسلم عن عبد الله بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها قالت: عبث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في منامه، فقلت: يا رسول الله، صنعت شيئا في منامك لم تكن تفعله؟ فقال: «العجب، إن ناسا من أمتي يؤمون هذا البيت برجل من قريش قد لجأ بالبيت حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم». فقلنا: يا رسول الله، إن الطريق قد يجمع الناس. قال: «نعم، فيهم المستبصر والمحبور وابن السبيل يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى يبعثهم الله تعالى على نياتهم». فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى}. {كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}. {لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ}. وهذا يوجب ألا يؤخذ أحد بذنب أحد، وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب. فالجواب أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره، فإذا سكت عليه فكلهم عاص. هذا بفعله وهذا برضاه. وقد جعل الله في حكمه وحكمته الراضي بمنزلة العامل، فانتظم في العقوبة، قاله ابن العربي. وهو مضمون الأحاديث كما ذكرنا. ومقصود الآية: واتقوا فتنة تتعدى الظالم، فتصيب الصالح والطالح.
الثانية: واختلف النحاة في دخول النون في {لا تُصِيبَنَّ}. قال الفراء: هو بمنزلة قولك: انزل عن الدابة لا تطرحنك، فهو جواب الأمر بلفظ النهي، أي إن تنزل عنها لا تطرحنك. ومثله قوله تعالى: {ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ}. أي إن تدخلوا لا يحطمنكم، فدخلت النون لما فيه من معنى الجزاء.
وقيل: لأنه خرج مخرج القسم، والنون لا تدخل إلا على فعل النهي ألا على جواب القسم.
وقال أبو العباس المبرد: إنه نهي بعد أمر، والمعنى النهي للظالمين، أي لا تقربن الظلم. وحكى سيبويه: لا أرينك ها هنا، أي لا تكن ها هنا، فإنه من كان ها هنا رأيته.
وقال الجرجاني: المعنى اتقوا فتنة تصيب الذين ظلموا خاصة. فقوله: {لا تُصِيبَنَّ} نهي في موضع وصف النكرة، وتأويله الإخبار بإصابتها الذين ظلموا. وقرأ علي وزيد بن ثابت وأبي وابن مسعود {لتصيبن} بلا ألف. قال المهدوي: من قرأ {لتصيبن} جاز أن يكون مقصورا من {لا تصيبن} حذفت الألف كما حذفت من {ما} وهي أخت {لا} في نحو أم والله لأفعلن، وشبهه. ويجوز أن تكون مخالقة لقراءة الجماعة، فيكون المعنى أنها تصيب الظالم خاصة.